محمد حسين علي الصغير

217

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

عندهم ماديا ونفسيا وحسيا ، ولئلا يتنغص عليهم هذا المناخ في إشاعته الحبور المتواكب : كرموا بالأنباء عن إدامة ذلك وبخلودهم معه . وهنا تشريف لهم بالالتفات في الخطاب ، فبعد الحديث عن نعم الجنة ، أنبأهم على جهة التأكيد بأنهم خالدون في هذه الجنة خلودا لا فناء معه ، وذلك قوله تعالى : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ( 71 ) . ويستمر الحديث عن الجنة في مجالين : الأول : مجال استحقاقها بالأعمال الصالحة وتوفيق اللّه تعالى . الثاني : بإيجاب أطايب الجنة بما فيها من فواكه كثيرة متنوعة ، ترغيبا فيها ، وتسلية عن الحرمان الذي أصاب بعضهم في الحياة الدنيا ، وتعويضا عن الفقر والفاقة حتى مع الغنى في الدنيا ، إذ جميع ما في الدنيا زائل متقلب متغير ، وذلك النعيم ثابت مستقرّ متجدد : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 72 ) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ ( 73 ) . هذا مشهد من مشاهد المتقين يوم القيامة ، أما المجرمون الذين تمكنوا في الاجرام فيصور حالتهم قوله تعالى : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 74 ) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 75 ) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 ) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ( 77 ) . يا لها من مرارة قاتلة ، وحياة مزعزعة مرعبة ، خلود في العذاب بلا انقضاء ، وشدة في وقعه مع الخذلان ، وارتكاس بأعماقه إلى الحضيض ، لا يقف لحظة ، ولا يفتر برهة ، انقطعت حجتهم فلا خلاص ، وخرست ألسنتهم فلا عتبى ، وقد كان ذلك نتيجة ضرورية لما قدمت أيديهم من أوزار ، فهم الظلمة بكل تأكيد ، ولا يلومنّ الظالم إلا نفسه ، حتى إذا بلغ العذاب أشده ، والتقت حلقتا البطان ، نادوا من الأعماق بكل خيبة وذل واستكانة يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ إنه الهوان أن يتمنوا الهلاك لا النجاة ، والموت لا الغوث ، والإبادة لا العون ، فلا أمل لهم في نجاة ، ولا رجاء في استغاثة ، ولا طمع في إعانة ، ولكنه هول الصدمة ، وتجاوز العذاب حدود الطاقة ، ويجيء الرد مفحما بكل استهانة ، هائلا مع الاستخفاف ، مدويا بلا رحمة : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ .